الشيخ الطوسي
123
التبيان في تفسير القرآن
على أنها همت بالمعصية ، وقد بين الله تعالى ذلك في مواضع كثيرة ان يوسف لم يهم بالفاحشة . ولا عزم عليها منها قوله " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " وقوله " انه من عبادنا المخلصين " ومن ارتكب الفاحشة لا يوصف بذلك وقوله " ذلك ليعلم اني لم أخنه بالغيب " ولو كان الامر على ما قاله الجهال من جلوسه مجلس الخائن وانتهائه إلى حل السراويل ، لكان خائنا ، ولم يكن صرف عنه السوء والفحشاء . وقال أيضا " ولقد راودته عن نفسه " فاستعصم " وفي موضع آخر حكاية عنها " أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين " وقوله حكاية عن العزيز حين رأى القميص قد من دبر " انه من كيد كن إن كيد كن عظيم " فنسب الكيد إليها دونه ، وقوله أيضا " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين " فخصها بالخطاب وأمرها بالاستغفار دونه . وقوله " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه . وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن واكن من الجاهلين ، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن " والاستجابة تقتضي براءة ساحته من كل سوء ، ويدل على أنه لو فعل ما ذكروه ، لكان قد صبا ولم يصرف عنه كيدهن . وقوله " قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء " والعزم على المعصية من أكبر السوء . وقوله حاكيا عن الملك " ائتوني به استخلصه لنفسي ، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين امين " ومن فعل ما قاله الجهال لا يقال له ذلك . ووجه آخر في الآية : إذا حمل الهم على أن المراد به العزم ، وهو ان يحمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويكون التقدير ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ويجري ذلك مجرى قولهم : قد كنت هلكت ، لولا أني تداركتك ، وقتلت لولا أني خلصتك ، والمعنى لولا تداركي لك لهلكت ولولا تخليصي لك لقتلت ، وان لم يكن وقع هلاك ولا قتل قال الشاعر : فلا يدعني قومي صريحا لحرة * لئن كنت مقتولا ويسلم عامر ( 1 )
--> ( 1 ) الكتاب لسيبويه 1 / 427 وأمالي الشريف المرتضى 1 / 480 ومجمع البيان 3 / 226